الشيخ محمد علي طه الدرة

491

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

للتعليل ، ولا محلّ لها ، والمعنى لا يأباه ، وخبر المبتدأ الذي هو ( من ) مختلف فيه كما ذكرته لك مرارا ، والجملة الاسمية : وَمَنْ . . . إلخ مستأنفة لا محل لها . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 212 ] زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 212 ) الشرح : زُيِّنَ لِلَّذِينَ . . . إلخ ، حسنت في أعينهم ، وأشربت محبتها في قلوبهم ، حتّى تهالكوا عليها ، وأعرضوا عن غيرها ، والمزيّن في الحقيقة هو اللّه تعالى ؛ إذ ما من شيء إلا هو فاعله ، وكلّ من الشيطان ، والقوّة الحيوانية ، وما خلقه اللّه فيها من الأمور البهيمية ، والأشياء الشهيّة مزين بالعرض . انتهى بيضاوي . وهذا مذهب أهل السنة ، والجماعة ، وانظر ما ذكرته بشأن المعتزلة ، وغيرهم من الفرق الضالة في الآية رقم [ 14 ] من سورة ( آل عمران ) وغيرها . وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ أي : يهزأ كفار قريش من الذين آمنوا ؛ أي : من فقراء المسلمين ، كبلال ، وعمار ، وصهيب ، وخبّاب ، وغيرهم ، والسّخرية بالناس حرام ، فقد روى عليّ - رضي اللّه عنه - : أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من استذلّ مؤمنا ، أو مؤمنة ، أو حقّره لفقره ، وقلّة ذات يده ؛ شهّره اللّه تعالى يوم القيامة ، ثمّ فضحه ، ومن بهت مؤمنا ، أو مؤمنة ، أو قال فيه ما ليس فيه ، أقامه اللّه على تلّ من نار يوم القيامة ؛ حتّى يخرج ممّا قال فيه ، وإنّ عظم المؤمن أعظم عند اللّه ، وأكرم عليه من ملك مقرّب ، وليس شيء أحبّ إلى اللّه من مؤمن تائب ، أو مؤمنة تائبة ، وإنّ الرّجل المؤمن يعرف في السّماء ، كما يعرف الرجل أهله ، وولده » . وانظر ما ذكرته في الآية رقم [ 15 ] . هذا وقد أورد التزيين بصيغة الماضي لكونه مفروغا منه ، مركوزا في طبائعهم ، وعطف عليه بالفعل المضارع للدّلالة على استمرار السّخرية منهم ؛ لأن صيغة المضارع تفيد الاستمرار ، والتّجدد . وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي : إنّ اللّه تعالى يرفع درجات الفقراء المؤمنين يوم القيامة ، حتّى يجعلهم في أعلى علّيين ، ويضع درجات الكافرين المستكبرين حتى يجعلهم في أسفل سافلين ، والمؤمنون في الآخرة في أوج العز ، والكرامة ، والكافرون ، والفاسدون المفسدون في حضيض الذلّ ، والمهانة . هذا ؛ وقد قال تعالى في سورة المطففين : إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ، ثمّ قال تعالى : فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ . عن حارثة بن وهب - رضي اللّه عنه - : أنّه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « ألا أخبركم بأهل الجنّة ؟ كل ضعيف متضعّف ، لو أقسم على اللّه ؛ لأبرّه ، ألا أخبركم بأهل النّار ؟ كلّ عتلّ جوّاظ مستكبر » . متّفق عليه . وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ أي : بغير تقدير ، فيوسّع في الدنيا استدراجا تارة ، وابتلاء أخرى ، وأمّا في الآخرة ، فرزقه للمؤمنين واسع ، لا يضبطه عدّ ، ولا كيل ، ولا وزن بخلاف